جلال الدين السيوطي
284
الإتقان في علوم القرآن
وإن كان التعلّق من جهة اللفظ : فهو المسمى بالحسن ؛ لأنّه في نفسه حسن مفيد ، يجوز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده ، للتعلّق اللفظيّ إلّا أن يكون رأس آية ، فإنّه يجوز في اختيار أكثر أهل الأداء ؛ لمجيئه عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث أمّ سلمة الآتي « 1 » . وقد يكون الوقف حسنا على تقدير ، وكافيا أو تاما على آخر ، نحو : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] : حسن إن جعل ما بعده نعتا ، كاف إن جعل خبر مقدّر ، أو مفعول مقدّر ، على القطع ، تامّ إن جعل مبتدأ خبره : أُولئِكَ . وإن لم يتمّ الكلام : كان الوقف عليه اضطراريّا ، وهو المسمّى بالقبيح ، لا يجوز تعمّد الوقف عليه إلّا لضرورة ، من انقطاع نفس ونحوه ، لعدم الفائدة أو لفساد المعنى ، نحو : صِراطَ الَّذِينَ [ الفاتحة : 7 ] . وقد يكون بعضه أقبح من بعض ، نحو : فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ [ النساء : 11 ] لإيهامه أنهما مع البنت شركاء في النّصف . وأقبح منه نحو : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي [ البقرة : 26 ] . فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) [ الماعون : 4 ] . لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [ النساء : 43 ] . فهذا حكم الوقف اختياريّا واضطراريّا . وأما الابتداء فلا يكون إلّا اختياريّا ؛ لأنه ليس كالوقف تدعو إليه ضرورة ، فلا يجوز إلّا بمستقلّ بالمعنى موف بالمقصود ، وهو في أقسامه كأقسام الوقف الأربعة ، وتتفاوت تماما وكفاية وحسنا وقبحا ، بحسب التمام وعدمه ، وفساد المعنى وإحالته ، نحو الوقف على : وَمِنَ النَّاسِ [ البقرة : 8 ] ؛ فإنّ الابتداء ب النَّاسِ قبيح ، و آمَنَّا تامّ ؛ فلو وقف على : مِنَ كان الابتداء ب يَقُولُ أحسن من الابتداء ب مِنَ . وكذا الوقف على : خَتَمَ اللَّهُ [ البقرة : 7 ] قبيح ، والابتداء ب اللَّهُ أقبح وب خَتَمَ كاف . والوقف على عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ و الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [ التوبة : 30 ] قبيح ، والابتداء بابن أقبح ، وبعزير والمسيح أشدّ قبحا . ولو وقف على : ما وَعَدَنَا اللَّهُ [ الأحزاب : 12 ] ضرورة ، كان الابتداء بالجلالة قبيحا ، وب وَعَدَنَا أقبح منه وب ما أقبح منهما . وقد يكون الوقف حسنا والابتداء به قبيحا ، نحو : يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [ الممتحنة : 1 ] الوقف عليه حسن ، والابتداء به قبيح ؛ لفساد المعنى ، إذ يصير تحذيرا من الإيمان باللّه .
--> ( 1 ) سبق تخريجه 236 - 265 .